ابن ميثم البحراني

331

شرح نهج البلاغة

أنّ طلب ما وراء حدود الشريعة الَّتي نهيت عن تجاوزها إنّما هو بسبب وسوسة الشيطان وحرص الطبع على ما يمنع منه . ثمّ اعلم أنّ ذلك هو منتهى حقّ اللَّه عليه ومطلوبه منه ، ولمّا كان مطلوب الشارع حين وضع الشريعة وتقرير قواعدها هو جمع قلوب العالم على قانون واحد واتّحادهم فيه بحيث لا يفترقوا في اعتقاد أمر ما لئلَّا يكون ذلك الافتراق سببا لضعف الدين وعدم تعاونهم على تشييده كما سبق بيانه لا جرم وجب في الحكمة أن يحرم حينئذ عليهم الخوض فيما وراء ذلك لتثبت قواعد الدين في قلوبهم وترسخ ولا يخرج بهم البحث عن ما ورائها إلى إطراحها وفساد اعتقاد كثير من الخلق لها ولغيرها ممّا وراها . إذ لم يكن فيهم من يستعدّ لقبول ما وراء تلك الظواهر إلَّا الفرد النادر وإن كنّا نعلم أنّه كان صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا علم من أحد استعدادا لقبول شيء من أسرار الشريعة ووثق به أن يحمله ألقاه إليه كعلىّ عليه السّلام دون أبي هريرة وأمثاله ثمّ وصف بعد ذلك الراسخين في العلم الممدوحين في القرآن الكريم بقوله تعالى « لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » ( 1 ) الآية وقوله « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا » ( 2 ) وفسّر معنى الرسوخ فقال : هم الَّذين أغناهم اللَّه عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب . فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، وممّا : إشارة إلى السدد المضروبة وحجب الغيوب . فلنشر إلى ما كشف عنه بعض العلماء الصوفيّة هاهنا وأشار إليه الخبر عن سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ للَّه تعالى سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ من أدرك بصره . ولمّا ثبت أن اللَّه تعالى متجلَّي لذاته بذاته فالحجاب لا بدّ وأن يكون بالنسبة إلى محجوب فأقسام المحجوبين ثلاثة : منهم من حجب بمجرّد ظلمة ، ومنهم من حجب بمجرّد نور ، ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة ، وتحت كلّ قسم من هؤلاء أقسام كثيرة لا تحصى فيكفينا الإشارة إلى أصولها فنقول :

--> ( 1 ) 4 - 160 . ( 2 ) 3 - 5 .